العيش المشترك الإسلامي المسيحي

مغبوطٌ هو هذا المؤتمر الدولي، الذى يعقد في عاصمة الأمويين، تحت شعار: ” الإخاء الإسلامي المسيحى أبعاد مقررات السينودس لأجل الشرق والبلاد العربية، الذي دعت إليه وزارة الأوقاف ورؤساء الطوائف المسيحية في سورية، بتوجيه من السيد الرئيس الدكتور بشار الأسد، رئيس الجمهورية العربية السورية الأكرم، الذي يرعى هذا الوطن برؤيةٍ أبويةٍ صافيةٍ, وحنكةٍ وإدارةٍ مشهودٍ لهما, خاصةً في ما له علاقة بأبناء الوطن الواحد من مفهوم المواطنة التي هي السقف الأعلى لهذا الصرح الحضاري المتعدد بثقافاته، واثنياته، وأديانه، ومذاهبه، وشرائحه.

        وجميلٌ أيضاً أن تكون سورية هي السباقة في إلقاء الضوء على مقترحات ومقررات المؤتمر الذي دعا إليه قداسة البابا بندكتوس السادس عشر رئيس الكنيسة الكاثوليكية في العالم، لدراسة أوضاع المسيحيين في الشرق، وخاصةً في الدول العربية، وذلك بعد تنامي روح العِداء في بعض دول هذه المنطقة، الأمر الذي أدى إلى انتشار الخوف من مستقبل الحضور المسيحي بشكل عام، وتقليص دورهم في كل المجالات والميادين بشكل خاص.

        وسورية، كما كانت في ماضيها، هكذا أيضاً في حاضرها، ومستقبلها، كانت وستبقى الأنموذج الحي للعيش المشترك بين الأطياف، والانتماءات، والشرائح كافةً. 

        لهذا، فمؤتمر الإخاء الإسلامي المسيحي في دمشق اليوم، هو رسالة توجهها سورية إلى كل العالم، لتؤكد بأن الفضاء السوري يستوعب التعددية والتنوع في المجتمع، ويعتبرهما غنىً للوطن.
لقد كلّـفني قداسة سيدنا البطريرك مار اغناطيوس زكا الأول عيواص رئيس الكنيسة السريانية الأرثوذكسية الأنطاكية في العالم الكلي الطوبى، بأن أمثّــله في سينودس الأساقفة ـ الجمعية الخاصة من أجل الشرق الأوسط، وقد وجّهني لأقول كلمة الحق في هذا التجمع الإكليريكي النادر. فحضرتُ أعمال هذا السينودس بين 10-24 تشرين الأول أكتوبر 2010 في حاضرة الفاتيكان. لهذا فأنا المطران السرياني الأرثوذكسي السوري الوحيد، الشاهد الحى على هذا الحدث الكنسي. ووجدت أن التوجه العام في سينودس الأساقفة في روما، يتماشى مع عنوان هذه الجلسة العلمية الأولى لمؤتمر الإخاء الإسلامي المسيحي في دمشق: العيش المشترك الإسلامي المسيحي، لأن عنوان السينودس شركة وشهادة، مبنيّ على آية وردت في سفر أعمال الرسل، تقول: ” وكانت جماعة المؤمنين قلباً واحداً وروحاً واحدةً. ” (أعمال الرسل 4-32)،  فكل الأبحاث التي وردت في ورقة العمل، تسير جنباً إلى جنب مع روح عنوان هذه الجمعية الخاصة من أجل الشرق الأوسط.

        وكان من الطبيعي بمكان، أن تركّز ورقة العمل على الوحدة في التعددية في المجتمع، فنسيج هذا الوطن، إن شئنا أم أبينا، مبنيّ على التعددية، التي هي من سمات هذه الأرض الطيبة. فلغة الأكثرية والأقلية ممقوتة في عالم التعددية والتنوع، لأن المواطن هو مواطنٌ، له كل الحقوق والواجبات، بدون قيدٍ أو شرطٍ، ومن أي مكان أتى انتماؤه، الديني، والاثني، والثقافي، وحتى السياسي. والمجتمعات التي تبنى على أسس حضارية، عليها أن توفر الحرية الدينية وحرية الضمير للمواطن.

        لهذا، نقرأ في ورقة العمل أن الانطلاقة في الحرية الدينية وحرية الضمير، تأتي من معيار حقوق الإنسان، التي تستمد طابعها المقدس من قداسة الله. إن الله تعالى هو الذي خلق الإنسان، وجعله خليفةً له على الأرض، فمن لا يحترم خليفة الله، لا يحترم الخالق. فإذا كان هدف الوطن أن يعيش المواطنون فيه تحت شعار: الوحدة الوطنية، والعيش المشترك، يجب أن يضمن له الحرية بكل أبعادها، ليمارس حقوقه علناً بدون أية عقبة.

        لقد ارتبطت بعض هموم المسيحيين في المنطقة، بعلاقة الإنسان بالأرض. من هنا نرى أن موضوع هجرة المسيحيين من الشرق الأوسط، جاءت في قائمة أولويات اهتمامات هذا السينودس، لهذا أكدت ورقة العمل بأن السياسات الدولية غالباً ما تتجاهل محافلِـُــها الحضور المسيحي، والضحية الأولى لهذا التجاهل هم المسيحيون، وهذا هو أحد الأسباب الرئيسة للهجرة التي هي آفة كبرى، عانت وتعاني منها كل المجتمعات، خاصةً في بعض الدول العربية، حيث يلاحَظ فلتان الأمن، وعدم الاستقرار السياسي، والأوضاع الاقتصادية المزرية، وغيرها من الدوافع التي تزعزعُ صورة هذا الفسيفساء الجميل، الذي عاشته المنطقة قروناً طويلة.

        ولم يغب عنوان جلستنا العيش المشترك الإسلامي المسيحي عن فكر المجتمعين في سينودس الأساقفة في روما، إذ أكدوا في رسالتهم الموجهة إلى العالم بأن ما يجمعنا نحن المسيحيين والمسلمين، هو: الإيمان بالله الواحد، والعمل بالمعروف، والنهي عن المنكر، مع نظرة تقديرٍ إلى المسلمين، الذين يعبدون الله الأحد، الحي القيوم، الرحمن القدير، الذي كلَّم الناس.

        إن المسيحيين والمسلمين مواطنون بل أخوة، لأن الله يريدنا أن نعيش معاً لأكثر من هدف، أولاً: لنبقى متحدين بالإيمان بالله الواحد، ووصية محبة الله ومحبة القريب. ثانياً: لنعمل على بناء مجتمعات مدنية مبنية على المواطنة، والحرية، وحرية المعتقد. وثالثاً: للتعاون من أجل تعزيز العدل، والسلام، وحقوق الإنسان، وقيم الحياة، والعائلة. ورابعاً وأخيراً: نريد أن نقدم للشرق والغرب، نموذجاً للعيش المشترك بين أديان متعددة، وللتعاون البنّاء بين حضارات متنوعة لخير الأوطان والمجتمعات.

        أختم مداخلتي بالالتفات إلى ما ورد في اللائحة الموحّدة للتوصيات، ونظرة المشاركين المجتمعين في سينودس الأساقفة إلى الإسلام، وقبل ذلك أشير إلى أن التوصية المتعلقة بالإسلام، وهي تحت رقم (38)، كانت من التوصيات الهامة مبنىً ومعنىً. فالإشارة أولاً كانت إلى أن الحوار الديني والثقافي بين المسيحيين والمسلمين، لا يقتصر فقط على الخيار العابر، بل يرتبط بها مستقبلُنا، ارتباطاً كبيراً، ثم كان التشديد على أن المسيحيين والمسلمين يشتركون معاً، أولاً في بناء المجتمع، وثانياً في الحياة والمصير. لهذا يبدو مهماً جداً أن يعززوا مفهوم المواطنة، وكرامة الشخص البشري، والمساواة في الحقوق، والواجبات، والحرية الدينية التي تتضمن حرية العبادة، وحرية الضمير.

        ولتواصل الحوار بينهم، عليهم أن يثابروا معاً على حوار الحياة المثمر، المبني على نظرة التقدير، والمحبة المشتركة، وإقصاء النظرة السلبية المبنية على الأحكام المسبقة.

        إنهم مدعوون إلى أن يكتشفوا معاً القيم الدينية عند بعضهم بعضاً. كل هذا لكي يقدموا للعالم أجمع صورةً عن اللقاء الإيجابي، والتعاون المثمر غير المحدود بين أتباع الديانتين، من خلال المناهضة المشتركة لكل أنواع التطرف والعنف باسم الدين. مرةً أخرى، الشكر موصول لوزارة الأوقاف ولرؤساء الطوائف المسيحية في سورية للدعوة الكريمة.

وشكراً لإصغائكم.