القانون العقيدي لكنيسة أنطاكية السريانية الأرثوذكسية

بقلم قداسة البطريرك مار إغناطيوس زكا الأول عيواص

القانون: كلمة يونانية (كانون) بمعنى المسطرة، ويراد بها مقياس كل شيء وطريقه. وقد نقلت اللفظة تجوّزاً إلى الدلالة على القضية أصلاً وقاعدةً، وتلك الأحكام فروعاً. أما في الاصطلاح الكنسي، فالقانون هو نصٌ في قواعد الإيمان والآداب والترتيب، والقانون العقيدي هو مجموعة قواعد العقائد الإيمانية الموحى بها من الله، وأقرّها سلطان الكنيسة.

وكلمة عقيدة بالسريانية دوجما DOGMA هي كلمة دخيلة تعني التعليم والعقيدة والرأي وهي ما عقد عليه القلب والضمير، أو ما تديّن به الإنسان واعتقده وبحسب الاصطلاح الكنسي تدل لفظة عقيدة بمعناها الدقيق على حقيقة أوحى بها اللّه وأوجبت السلطة الكنسية على المسيحيين الاعتقاد بها اعتقاداً جازماً، والاعتراف بها بثبات، ملزمة إياهم بذلك إلزاماً في الضمير، بحيث يعتبر المخالف أثيماً بل أناثيما، أي محروماً وغريباً عن الكنيسة.

مصدر العقائد المسيحية:
ومصدر العقائد المسيحية هو الوحي الإلهي المعلن في أسفار الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد، وفي التقاليد الكنسية الرسولية، والأبوية، المعطاة أساساً من الرب يسوع نفسه لرسله الأطهار، وتلاميذه الأبرار، الذين بدورهم سلّموها إلى خلفائهم فأعلنت في تعاليم هؤلاء، وقوانين المجامع المقدسة المعتمدة، وكتب الطقس البيعي، وهذه التعاليم موافقة كل الموافقة لتعاليم الكتاب المقدس.

ويستند تقرير الكنيسة للعقائد المسيحية إلى شهادة الرسل المجمع عليها من كل الكنائس الرسولية، إذ أن قاعدة الإيمان تستند إلى تعليم الرسل الذي هو تعليم الروح القدس. فعند ظهور أي تعليم يخالف تعليمهم ترجع الكنيسة إلى شهاداتهم المُجمع عليها من كل الكنائس الرسولية وللسلطة الكنسية وحدها الحق في إعلان هذه العقائد بعد التأكد من صحة نسبتها إلى الرب يسوع ورسله الأطهار.

وحيث أن بعض هذه العقائد تعلو على إدراك عقولنا البشرية، ولكنها لا تناقضها، فالكنيسة تحافظ عليها كما تسلمتها، وطالما مصدرها الوحي الإلهي، فهي تلزم المؤمنين اعتقادها وتصديقها بيقين. ولها الحق في شرحها وتوضيحها دون تغييرها أو إضافة عقائد جديدة إليها. إذ لا قيمة لاي تعليم ديني مسيحي ما لم يستند إلى الكتاب المقدس والتقليد الرسولي ليكون ضمن «الإيمان الذي سُلِّم مرة للقديسين»(يه3).

العقيدة والعبادة:
لم يفصل آباء الكنيسة العقيدة عن العبادة حتى غدت العقيدة جزءاً لا يتجزأ من الطقوس الدينية، لأن الغاية الأولى من استعمال الطقوس هي منح المؤمنين حياة ونمواً وبراً وقداسة عن طريق العبادة. ولا تكون هذه كاملة ما لم تقترن بالعقيدة الصحيحة. لذلك فمنذ القرن الرابع للميلاد أدخلت الكنيسة (قانون الإيمان النيقاوي القسطنطيني) في خدمة القداس (الليتورجية) والعبادة اليومية. علماً بأن قوانين إيمان عديدة واحدة بمعناها وفحواها ولئن عُبِّر عنها بأساليب مختلفة كانت تُتلى، منذ فجر المسيحية، أثناء خدمة طقس المعمودية خاصةً، بلغات عديدة وأماكن شتى فأضحى الطقس البيعي والحالة هذه مصدراً مهماً للعقائد المسيحية لاشتماله على مجموعة آراء آباء الكنيسة الثقات.

العقيدة والسلوك الشخصي:
لا يمكن فصل العقيدة الدينية عن الحياة، حيث أنها تظهر في سلوك صاحبها وطريقة تصرفه في الحياة الروحية. فإذا كانت العقيدة الدينية سليمة، كانت الحياة الدينية القائمة عليها سليمة أيضاً، ذلك أن الاقتناع بالفكرة الدينية يتحول إلى عقيدة، والعقيدة من تلقاء ذاتها تتحول إلى سلوك. فإذا استحالت الفكرة إلى عقيدة دينية فلن يستطيع صاحبها أن يفلت من التعبير عنها في كلامه وسلوكه، فهي توجه تصرفاته كلها . ولو بدت هذه التصرفات وكأنها لا ترتبط بالعقيدة التي يؤمن بها. إذن ليست الحياة الروحية المسيحية عاطفة روحية خالية من العقيدة الدينية، بل هي تقوم على العقيدة الدينية كما تقوم على العاطفة الروحية.

قواعد الإيمان الأولى:
لما أرسل الرب يسوع تلاميذه إلى العالم أجمع، أمرهم أن يتلمذوا الأمم كلها أي أن يعلّموهم حقائق الإيمان ثم يعمدوهم قائلاً لهم: «فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمِّدوهم باسم الآب والابن والروح القدس وعلِّموهم أن يحفظوا جميع ما أوصيتكم به»(مت28: 19و20) وبهذا الأمر رسم الرب سر المعمودية المقدس، وجعل منه أمراً ضرورياً للخلاص بقوله: «من آمن واعتمد خلص ومن لم يؤمن يُدَن»(مر16: 16) كما أعلن بذلك عن عقيدة الثالوث الأقدس الإله الواحد، العقيدة السمحة التي يتوجب على كل من يتقدم لنيل سر المعمودية أن يعترف بها جهراً. وعلى كل من يقدم أحد المرشحين لنيل هذا السر أن يعلمه هذه العقيدة وسائر عقائد المسيحية ليؤمن بها (مت28: 19) من هنا جاءت قوانين الإيمان المختصرة التي صاغها الرسل الأطهار وتلاميذهم وخلفاؤهم ولقنوها طالبي الانضمام إلى المسيحية.

وهكذا وجدت قواعد عقيدية مختصرة تتضمن جوهر الحقائق الإيمانية، في لغات شتى وكلها متفقة في المعنى ولئن اختلفت في المبنى ولا يجوز تعميد طالب العماد دون أن يُختبر (لتتأكد الكنيسة من إقباله إلى الرب بنية صادقة، وطوية نقية، وإيمان متين، وثبات على العقائد المسيحية).

وقد أخذت الكنيسة عن الرسل قوانين الإيمان هذه كما ذكرنا وتناقلتها وتوارثتها الأجيال معترفة بها قبل أن يقرّها مجمع، وكانت المجامع تعقد لإقامة الحجة على أصالة التعليم الصحيح، ودحض الهرطقات، وتستند بكل ذلك إلى شهادات الرسل التي تحتفظ بها الكنائس الرسولية. لذلك اكتفى آباء الكنيسة في قبول أي عقيدة بتلك الشهادة. فقانون الإيمان النيقاوي القسطنطيني كان متضمناً في كتابات الآباء، ومقبولاً من الكنيسة منذ فجر المسيحية، ولكن المجمعين النيقاوي (325) والقسطنطيني (380) صاغاه بشكل واضح وألزما قبوله على المؤمنين تحت طائلة الحرم. وتدل شهادة الوثائق القديمة على أن المسيحيين اعتبروا القرارات المتعلقة بالعقيدة الصادرة عن المجمعين المذكورين معصومة من تلقاء ذاتها وذات سلطة ملزمة بالقبول بل هي أحكام إلهية.

التحديات العقيدية:
واجهت المسيحية منذ بدء تاريخها تحديات عقيدية عنيفة، ونزعات داخلية، فقد حاول بعضهم مزج عقائدها السمحة بعقائد يهودية ووثنية، ونظريات غريبة فيما يخص الإيمان بالسيد المسيح والتثليث والتوحيد، فلو تساهلت المسيحية مع البدع والهرطقات في القرون الأولى لاندثرت وبادت، ولانتصر أعداؤها عليها، فقد بذلوا الجهود الكبيرة لتغيير عقائدها، ولكنهم باءوا بالفشل الذريع، وصمدت المسيحية على صخرة الحق متمسكة بالإيمان القويم غير مساومة أعداءها على حساب العقيدة وهكذا حافظت عليها سليمة نقية من كل شائبة.

وعلى سبيل المثال لا الحصر، نذكر أن المسيحية دحضت محاولة تهويدها، وقد تحدى الرسول بولس هذا التيار بجرأة وإيمان، مؤكداً أن لا حاجة للوثني المهتدي إلى الدين المسيحي أن يتهود أولاً ثم يتنصر. وجاء قرار مجمع أورشليم عام (51م) مؤيداً ما أعلنه الروح القدس على لسان الرسول بولس أولاً.

كما انتصرت المسيحية أيضاً على أتباع الفلسفة النوستيكية GNOSTICISM أي (المعرفة) أولئك الذين ادعوا بأن لهم معرفة خاصة بالله وبالعالم تفوق ما لدى سائر البشر. وتجد جذور هذه البدعة في كتابات يهودية في تلك الحقبة الزمنية، منها كتابات فيلو الاسكندري اليهودي (20ق.م ـ 40ب.م). وقد علقت النوستيكية أهمية كبرى على طبيعة اللّه وعلاقته تعالى مع العالم. كما بحثت طبيعة البشر. وقال أتباعها إن اللّه هو كلي الصلاح، ولكن لماذا خلق العالم المادي الشرير؟ وعندما طبّقت هذه النظرية على العقيدة المسيحية، اعتُبِر يسوع الكائن الإلهي الأعلى الذي كان الإله الحقيقي قد أوجده. ــ والعياذ بالله ــ وقالوا أيضاً أن يسوع لم يأخذ جسداً حقيقياً لأنه كان أقدس من أن يتصل بمادة الجسد الشريرة، لذلك فقد كان يسوع روحاً فقط ظهرت بشكل إنسان. وحوّر هؤلاء (العارفون) أيضاً عقيدة الفداء المسيحية لكي تتناسب مع نظريتهم الغريبة عن الخطية والشر… وقال بعضهم بما أن الجسد شرير، ويُطرَح إبان الموت، فعليه ليس من الخطأ أن يعيش الإنسان في أسوأ حالات الدعارة، لأن الروح تبقى نقية في وسط أي فسق جسماني. كما قال آخرون، طالما الجسد شرير فيجب أن يعامل بقسوة ليتحمل الجوع والعطش والتعب والإهمال. وهكذا نرى أن فكرتي التمرغ بالخطية، والزهد، المتناقضتين تتفرّعان من أصل واحد هو فلسفة (العارفين).

ويشير التقليد الكنسي إلى أن يوحنا الرسول كان يفكر في دحض آراء فئة (العارفين) الضالة والمضلة، حينما كتب إنجيله المقدس، ورسالته الأولى، وهو يصف الرب يسوع الإله المتجسد قائلاً: «والكلمة صار جسداً وحلّ فينا ورأينا مجده مجداً كما لوحيدٍ من الآب مملوءاً نعمة وحقاً»(يو1: 14). «الذي كان من البدء الذي سمعناه الذي رأيناه بعيوننا الذي شاهدناه ولمسته أيدينا من جهة كلمة الحياة. فإن الحياة أُظهرت وقد رأينا ونشهد ونخبركم بالحياة الأبدية التي كانت عند الآب وأظهرت لنا، الذي رأيناه وسمعناه نخبركم به لكي يكون لكم أيضاً شركة معنا»(1يو1: 1ــ3) «بهذا تعرفون روح اللّه كل روح يعترف بيسوع المسيح أنه قد جاء في الجسد فهو من اللّه»(1يو4: 2) وعلى الأرجح أيضاً أن النقولاويين الذين حُكِم عليهم في رؤيا يوحنا بأن اللّه يبغض أعمالهم، كانوا من فئة (العارفين) (رؤ2: 6و15). الذين حارب آباء الكنيسة الأولون بدعتهم منذ فجر النصرانية. وكان ظهور هذه البدعة وغيرها من البدع الوخيمة وازعاً لخلفاء الرسل القديسين، وآباء الكنيسة الميامين، ليحددوا العقائد الإلهية، وأن يقروا قانونية أسفار العهد الجديد الينبوع النقي الذي استقت منه الكنيسة مياه تعاليم المسيحية المجيدة معتمدة بذلك على إرشاد الروح القدس ورعايته وهكذا اتخذت الإنجيل المقدس سلاحاً روحياً قوياً للدفاع عن تعاليمها الإلهية، وعقائدها الدينية السمحة، صامدة أمام أعدائها من اليهود والوثنيين والهراطقة المبتدعين.